محمد خليل المرادي
246
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ن ، والقلم وما يسطرون . ما هاروت ونفثه وبحثه عما يفرق به وحثه ، يلعب بالعقول من البيان . وبيانه للعيان صعب المركب ممنع المفرد والمركب . ودون افتراع بكره ، وصدق سن بكره تخيلات وعرة المسلك ، شامخة العرنين عن أن تسلك . بل دون مناله خرط القتاد ، وتفتت أكباد وتقطّع أكتاد ، إلا لمن ذلل اللّه له جوامح أزمّته ، وأودعه سجيّة برمّته ، وأوسعه ما يعجز ، ومنحه ما يطنب به ويوجز . فتعلّق شأوه بمناط الأثير بمحسنات البديع من النظيم والنثير . وقد وجم عن إدراكه كثير من الفحول ، وجم عن منهج الفضل لا يحول . وللّه در من مد إليه باعه فاقتاده ، ونقد سوانحه بفكرته الوقادة ، واقتطف من باكورة الفصاحة نضيرها ، واهتصر من البلاغة غضيرها ، من إذا شبّب أطرب ، وإذا أعرب أغرب ، وإذا تكلم أصمى الأغراض ، وإذا أجاب حيّر ، وإذا استرسل على أيّ حال لم يتغيّر . فهو نسيج وحده في حله وعقده . فلقد شنف سمعي وقرط . وأودع ما يروق وما فرط . فأقبلت عليه بكلي لا ببعضي . وتصدّيت إليه بإبرامي ونقضي . فيا لك فاضلا تقف الآراء عند تخيلاته . وتتحير العقول بكنه استعمالاته . وإليك ألقي بالمقاليد في طارف الكمال والتليد . وأنا أقسم بمن أودعك ما أودعك ومنحك ما حلى به طرفك ومسمعك ، لأنت النابغة بل النادرة . والنكتة التي للأفهام متبادرة . فأعيذ مرأى ذاتك . وأحمي بديع صفاتك . ما هذه القلائد المنتثرة والفوائد المنتشرة التي أتيت بها بالعجاب . وأبرزتها للعيان من دون حجاب . وأفرغتها في قالب الاختراع . وافترعت بها هضاب البلاغة أي افتراع . وضمنتها نكات هي عن سواك بمعزل ، وأنزلتها في القلوب أرفع منزل . وأفحمت وأوجزت . وأفعمت وأنجزت . ورتجت المغفل وفتحت المقفل . وتحاميت التعقيد والغرابة . وتحاشيت التنافر وإغرابه . وجئتنا سائلا ، وأوردت بحر الأدب سائلا . عن شيء يضع ويرفع ، ويضر وينفع ، ويجري على وفق الإرادة من سعادة إلى شقاوة ومن شقاوة إلى سعادة . فلا شك أنه اطلع على اللوح المحفوظ . وعلم كل معنى ملفوظ . وشارك بارية بالتصوير . وأعانه على توقيع التدبير . حججه ظاهرة البرهان . تراه كلّ حين هو في شان . فإذا التجئ إليه . والتفّت الأنامل عليه ، ابتدر بالحسّ لما في الخاطر مبينا ، وأراك ما حصل في المخيلة يقينا . له صوت يسمع ولا يفهم . كأنه أبكم ، ولسانه إذا جز تكلّم ، وأتى بالكلام المحكم ، وأعرب وأعجم . يجري مع كل عدو وحميم ، ويجاري كل كريم ولئيم . وإذا وشي ترك العقول حيارى ، وترى الناس من أجله سكارى وما هم بسكارى . إذا قام في مقام الافتخار ، وشق من ذلك الميدان الغبار . قال وضح النهار : لا بقومي شرفت بل شرفوا بي * وبجدّي علوت لا بجدودي « 1 »
--> ( 1 ) البيت للمتنبي ، وفي الديوان : وبنفسي فخرت . . . شرح ديوان المتنبي ، للبرقوقي ، ج 1 / 208 .